عوالم خفية

الجزء الثالث والرابع من مشكلات المجتمع” نبش القبور” واستحلال حرمة الميت

مروان البكري

عادت الزوجة وجلست بين زوجها وأبنائها، ولكنها لم تكن مطمئنة بما حدث، هل من الممكن أن تكون هذه رسالة تنذر عن شؤم بطريقه إلينا؟!

ونظرا لكونها لا ترغب ببث الرعب والخوف إليهم لم تذكر الموضوع نهائيا، وتظاهرت بتناول الطعام معهم؛ وباليوم التالي ورد للحارس خبر بأن يجهز نفسه حيث أن هناك نعش في طريقه إليه، وبالفعل قام بكل ما عليه فعله، وما إن أنهى عمله وخرج ليتقاضى أجره، شعر وكأن الزمن قد توقف به، وإذا بالرجل الميت الذي اقتلع سنته الذهبية ينظر إليه وقد رسمت على وجهه ابتسامة تثير الخوف بالنفس.

كل من حوله من الرجال لاحظ تغيرا على وجهه وكأنه قد رأى شبحا أمامه، لقد فتحت عينيه على مصرعها وتصبب عرقا، حتى أنه لم يأخذ أجره من ابن الميت الذي كان قد مدها عليه قرابة الخمسة دقائق، ولكنه لم يهتم به ولم يره من الأساس.

سأله أحدهم: “هل هناك شيء مخيف لهذا الحد يا رجل؟!”

أمسك بالأموال ولكنه لم ينطق بحرف واحد، وأخذ يبحث بينهم عن الرجل الميت ولكنه لم يجده؛ عاد لغرفته مهموما حزينا شاردا، لم يفهم ما حدث معه، لقد قضى العديد من السنوات كحارس للمقابر ولم يرى طوال هذه السنوات ظاهرة مثل هذه، لقد استيقظ الميت ليطارده؟!

بهذه المرة لم يفعل بالميت مثلما يفعل كل مرة، لقد كان خائفا ومرعوبا من رؤية ذلك الميت المستيقظ المطارد مجددا، كلما تذكر وجهه القبيح ونظراته المخيفة المفزعة يشعر وكأن قلبه يكاد يقتلع من صدره من شدة الرهبة التي تقع بنفسه؛ توالت الأيام ولم تتكرر معه أية حوادث من هذا النوع مرة أخرى، لقد نسي ما كان يشعر به من هول ما حدث معه لدرجة أنه اعتقد أنها ربما تخيلات، وتناسى كل شيء بمرور الوقت.

وبيوم من الأيام ذهبت الزوجة للسوق لتشتري كل احتياجاتها، وهناك من شدة تركيزها على المشتريات وألا تنسى شيئا كيلا تعود من جديد، اصطدمت بسيدة عجوز بالكاد تتمكن من المشي على أقدامها، سقطت العجوز أرضا، فهمت الزوجة بلحاقها حتى لا تضرر من أثر السقوط، وما إن همت لتعتذر إليها أنها لم تنتبه لها، أمسكت العجوز يدها واقتربت من أّنها تهمس قائلة: “أخبريه يا ابنة (وذكرت اسم والدتها) أن للميت حرمة لا يمكن انتهاكها”.

لقد فزعت الزوجة من حديثها المخيف، وبينما كانت تسير العجوز، كانت الزوجة تثبت عينيها عليها ولكنها اختفت في لمح من البصر، اختفت بطريقة تذهب العقل!

لم تشتري الزوجة ولا شيء آخر، بل عادت للمنزل مسرعة لحذر زوجها، فهي غريبة عن كل أهل القرية ولا أحد يعلمها فكيف لهذه العجوز أن تعلم اسم والدتها؟!

أدركت الزوجة أن هناك بالفعل شيء مريب، وأرادت أن تحذر زوجها منه، وأن تجعله يرجع من هذه الطريق التي يسلكها ودوما ما حذرته منها؛ أول ما وصلت المنزل ألقت الأشياء من يدها وبدأت في البحث والنداء على زوجها، ولكنها لم تجده، خرجت خارج الغرفة ونادت عدة مرات  

باسمه، وأخيرا جاء.

الزوجة: “ألم تكف عما تفعله؟!، أخبرني ماذا تريد أن يفعل بنا؟!، ألا ترى أن لديك أبناء وزوجة؟!، حقا ألا تخاف علينا؟!”

الزوج: “ماذا حدث معكِ لكل هذا؟!”

الزوجة: “لقد اصطدمت بعجوز غريبة بالسوق وحذرتني من أفعالك، أخبرتني أن أبخرك بأن للميت حرمته ولا يمكنك انتهاكها؛ ألم أتحدث إليك مرارا وتكرارا بهذا الخصوص، انظر بنفسك ها هي قد علمت بأمك وغدا كل أهل القرية سيعلمون بما تفعله بأمواتهم”.

وضع يده على فمها قائلا: “هل جننتِ؟!، لم يراني أحد من قلب، ومن هذه المرأة وكيف أنها تعلم هذه الأشياء عني ولم ترني من قبل”.

الزوجة: “لقد علمت كيفما علمت، إنها حتى تعلم اسم والدتي”.

الزوج: “غريب أمرها، ومن أين علمت هذا أيضا، إننا غرباء ولا يعرفنا أحد هنا”.

الزوجة: “قلبي يحدثني بأن هناك أمر خاطئ

الجزء الرابع…

وضع يده على فمها قائلا: “هل جننتِ؟!، لم يراني أحد من قبل، ومن هذه المرأة وكيف أنها تعلم هذه الأشياء عني ولم ترني من قبل”.

الزوجة: “لقد علمت كيفما علمت، إنها حتى تعلم اسم والدتي”.

الزوج: “غريب أمرها، ومن أين علمت هذا أيضا، إننا غرباء ولا يعرفنا أحد هنا”.

الزوجة: “قلبي يحدثني بأن هناك أمر خاطئ”.

الزوج: “ولم تشعرين بذلك؟!”

الزوجة: “لا أعلم ولا أدري ولكن هناك خطب ما، ارجع عن الطريق هذه أتوسل إليك، وإلا سيفتضح أمرك وسندفع جميعنا الثمن”.

بدا عليه التوتر الشديد، فثار غاضبا في وجهها: “إياكِ أن تفتحِ هذا الموضوع مجددا، إنني على دراية تامة بما أفعله ولا أحتاج لمن يعدل علي من أمري، أفهمتِ؟!”

لم تتفوه زوجته بكلمة واحدة أخرى، التقطت ما اشترته من السوق من أغراض وذهبت للمطبخ، ولكن بدا عليها القهر الشديد وغلبتها على أمرها.

توالت أيام والجميع تناسى ما حدث بفعل الوقت والانشغال بالأمور اليومية، وجاء موعد الدفن التالي، أدى الحارس كل ما عليه من واجبات وكان كل شيء أمر طبيعي للغاية، ولم تتواجد أية مشكلات ولا أية صعوبات ولا أية أشياء خارجة عن الطبيعة.

وكعادته التي لم يكف عنها إلا لأيام قلائل، أخذ المصباح معه وخرج من منزله يلتفت يمينا ويسارا قبيل الفجر بدقائق، وما إن اطمئن للطريق وأنه لا يوجد أحد به، توجه على الفور للقبر الجديد، وما إن نزل الدرجات حتى وضع المصباح على الأرض وشرع في تمليص الميت من كفنه، في هذه الأثناء سمع صوت زوجته وهي تناديه.

الحارس: “حسنا… حسنا… إنني قادم في الحال”.

أخذ الكفن معه، وخرج ملبيا نداء زوجته، ولكنه عندما التفت يمينا ويسارا لم يجد أحد فظن أنها عادت للغرفة، وبينما كان عائدا ليغلق القبر الذي فتحه، وما إن التفت وأعطى ظهره لغرفته التي يسكن بها حتى سمع الصوت مجددا، ولكن بهذه المرة هادئا وخافتا للغاية.

التفت خلفه ببطء شديد وإذا به يفاجأ بوجود امرأة لا يرى منها إلا السواد، جحظت عيناه من كثرة الرعب والخوف الذي حط عليه، فهذه المرأة ليست بزوجته!

لا جسدها ولا طولها، لا تعرف زوجته سوى بصوتها الذي تناديه به، دقق النظر بها وإذا به يجدها تقترب منه خطوة تلو الأخرى، ولكنه لاحظ أمرا غريبا لقد كانت عرجاء، وكلما دقق بها أكثر وبمشيتها الغريبة التي دبت الرعب بقلبه، وإذا به يرى منها أمرا غريبا ومازال يدقق النظر حتى وجد أن أقدامها ليست بأقدام آدمي وإنما هي أقدام لماعز بها حوافر كبيرة ومخيفة.

كانت كلما اقتربت منه كلما رأى منها أشياء بواسطة المصباح الذي يمسكه بيده، تسمرت قدماه بمكانه فظل ثابتا لا يقوى على الحراك ولا الكلام ولا حتى الصراخ وطلب المساعدة.

واقتربت أكثر فأكثر وما إن بقيت بضعة خطوات قليلة حتى تبدل صوتها فأصبح خشنا ومرعبا، فتحت عينيها والتي كانت بيضاء، وصرخت في وجهه قائلة: “أعطني أمانتي”!

بهذه اللحظة لم يشعر بنفسه إلا وهو يركض بكل مكان بالمقابر كالمجنون، لقد كان الصوت يلاحقه أينما ذهب، وبالكاد تمكن من الوصول لمنزله، دخل وأوصد الباب خلفه، لقد كان مذعورا ووجهه قد اصفر من كثرة الرعب الذي لاقاه خارج غرفته، كان بالكاد يلتقط أنفاسه.

جاءت زوجته فقد استيقظت على صوت الباب الذي أغلق بشدة، سألته: “ما بك؟!، لماذا تبدو شاحب اللون هكذا؟!”

لم ينطق بكلمة واحدة، اكتفى بالنظر إليها، ومن ثم حمل نفسه وذهب لسريره وغط في النوم وكأنه يهرب بنومه من شيء عظيم.

يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع , الجزء الخامس والسادس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق