عوالم خفية

“نباش القبور” واستحلال حرمة الميت الجزء الخامس والسادس

مروان البكري

جاءت زوجته فقد استيقظت على صوت الباب الذي أغلق بشدة، سألته: “ما بك؟!، لماذا تبدو شاحب اللون هكذا؟!”

لم ينطق بكلمة واحدة، اكتفى بالنظر إليها، ومن ثم حمل نفسه وذهب لسريره وغط في النوم وكأنه يهرب بنومه من شيء عظيم.

ولكن كيف يطاوعه النوم ويخلصه من أحاسيس الرعب الذي كادت تقتله وتفتك به فتكا، لقد كان مصروعا بصورتها التي لم تفارقه على الإطلاق، والتي كان يراها بكل مكان، فكلما التفت يمينا أو يسارا وجدها بكل ركن من أركان غرفته.

اقتربت منه زوجته في محاولة ثانية منها لتكتشف ما حل بزوجها وجعله بهذه الحالة المريبة، تحدث إليه وصارحها بكل شيء، فبائت الزوجة تلتفت يمينا ويسارا فقد نقل الخوف لقلبها، شرعت تقرأ المعوذات وآية الكرسي، أصابها ذعر وهلع، صرخت في وجه زوجها: “يلزمك ضروريا أن تذهب لشيخ وتقص عليه كل ما يحدث معنا من أشياء غير طبيعية، لا تستهن بالأمر كعادتك”.

صرخ في وجهها صرخة جعلتها تنسى كل ما يعانيان منه حاليا: “أجننتِ أيتها المرأة؟!، أتريدين مني أن أذهب لشيخ وأخبره بأنني أنبش القبور وآخذ الأكفان وأترك الجثث عارية؟!، وأنه بسبب أفعالي هذه هناك ميت يطاردني والجن تساعده على ذلك؟!”

الزوجة بصوت خافت: “لا… لم أقصد ذلك، ولكنك ستخبره عن الجن الذي يطاردك، وعن المرأة العجوز التي التقت بها بالسوق؛ ولا تخبره كليا عن أمر السرقة على الإطلاق”.

وبالفعل بالنهار التالي أحضر الحارس شيخا وأخبره عن مطاردة الجن له، تعجب الشيخ من أمره ولكنه سأله على الفور قائلا: “هل آذيتهم في شيء؟!، كأن سكبت ماءا ساخنا في الحمام، أو حتى بالغرفة هذه؟!، فغرفتك هذه تعتبر جزءا من المقابر أيضا”.

فرد عليه الحارس: “لا لم أفعل أي شيء من كل ما ذكرته”.

صمت الشيخ قليلا ثم تابع حديثه قائلا: “ولكن الجن لا يؤذون أحدا إلا إذا بدأ وأذاهم أو أخذ منهم شيئا يخصهم”.

شعر الحارس بالتوتر الشديد وتصبب عرقا بمجرد انتهاء الشيخ من كلماته، زوجته هي من شعرت بما شعر به.

الشيخ: “اطمئن ولا تقلق، بمشيئة الله سأفعل ما بوسعي حتى أتمكن من تحصينك وزوجتك وأبنائك منهم”.

وبالفعل قرأ القرآن، وأخذ يرش المنزل بأكمله ببعض من المياه التي قرأ عليها، وما إن أنهى حتى استأّن بالرحيل.

شعر الحارس بالهدوء والاطمئنان والراحة النفسية بعض الشيء بعد ما فعله الشيخ، وأخيرا تمكن من النوم، و يا ليته لم يفعل!

بمجرد أن غفا وغاص في النوم، سمع صوتا يناديه بالخارج فقام من نومه وخرج، وكلما اقترب كلما زادت حدة الصوت، وها هو قد اكتشف مصدر الصوت، لقد كان ابنه الوحيد الكبير الذي يبلغ من العمر سبعة عشرة عاما، ومازال يناديه والحارس يبحث عنه في كل الأرجاء، وأخيرا توصل لمكان مصدر صوت ابنه، وجد نفسه أمام قبر مغلق ففتحه بسرعة ونزل السلالم وإذا به يجد أمامه ميتا ملفوفا بكفن، والصوت مازال يناديه، صوت ابنه يناديه.

نبش القبر وشرع في حل العقد وهو يطمئن ابنه ويخبر بألا يخاف ولا يحزن وأن كل شيء سيكون على ما يرام؛ ولكن ما إن أنهى فك العقد ليخرج ابنه وينقذه حتى وجد الكفن فارغا!

سمع أصوات ضحكات عالية، وإذا به ينظر لمدخل القبر فيجده نفس الميت صاحب السنة الذهبية، وما إن التقت العينين ببعضهما البعض، حتى ابتسم الميت ابتسامة شر وقال: “لقد راح وأراح”، وتعالت أصوات ضحكاته من جديد.

استيقظ الحارس فزعا من نومه، كل ذلك كان حلما، ولكنه سمع أصوات صراخ وصيحات من زوجته، هذه المرة حقيقة مؤكدة، ولم يكن حلما من الأساس، وعندما خرج من الغرفة وجدها تحتضن ابنها بالمقابر وتبكي عليه بعدما لفظ آخر أنفاسه مودعا الحياة بأكملها.

الجزء السادس…

وأشرقت الأرض بنور ربها، وكانوا جميعا قد أعدوا كل شيء لتشييع الجنازة والدفن، وها هو الحارس يوضع بين يديه ابنه الوحيد وقرة عينيه ليقوم بما يفعله مع جميع الأموات، وحتى هذه اللحظة لم يكن يصدق عينيه أن ابنه قد توفي وأصبح في تعداد الموتى، وعندما شرع في فك عقد الكفن تذكر الكابوس الذي راوده بليلة أمس، أيقن حينها أن موت ابنه لم يكن واقعة مرت بسلام، وإنما كان بفعل فاعل، وأعتقد أن أيقن أيضا من هو الفاعل الحقيقي وراء حرقة قلبه هذه!

وبعد الانتهاء من الدفن خرج الحارس من القبر، وصعد الدرجات وأغلق القبر خلفه، وكان الناس حينها يقفون بجانبه، كانوا ما بين صمت وبكاء، والشيخ يقرأ ويرتل القرآن على ابنه المتوفى؛ وما إن انتهى الجميع هم الحارس بالذهاب لزوجته ليسألها السؤال الذي فتك بقلبه وأحرقه…

الحارس: “أريدكِ أن تخبريني ما الذي جعله يخرج بمنتصف الليل بالخارج بوسط المقابر؟!”

فردت عليه زوجته قائلة: “لقد كنت نائمة، وفجأة سمعت أصوات صرخاته المتتالية، وما إن خرجت بحثا عنه حتى وجدته ملقى بالمكان الذي وجدتنا به قاطع أنفاسه؛ ولكنني لم أشعر به على الإطلاق عندما خرج، لقد كان نائما في فراشه قبل نومي كنت قد اطمأننت عليهما”.

أيقن حينها الحارس أن الرجل الميت ذا السنة الذهبية والذي رآه بالمنام هو الفاعل الحقيقي، وهو الذي وراء الميتة الموجعة لقلبه لابنه الوحيد وقرة عينيه؛ أما عن والدته فلم يرد ببالها على الإطلاق أن يكون هناك أحدا وراء موت ابنها، وخاصة ابنها مازال صغيرا والجميع يشهد له بأخلاقه الحسنة الطيبة.

وفي العزاء حضرت نفس العجوز التي قابلتها زوجة الحارس بالسوق من قبل، الزوجة كانت في حالة مزرية ولم تنتبه لها من الأساس، وبعدما أخذت عزائها اقتربت منها العجوز وقالت: “من الواضح أنكِ لم تخبريه بما أخبرتكِ به من قبل”.

ردت عليها الزوجة قائلة: “ماذا تقصدين بكلامكِ الذي يشبه الألغاز هذا؟!، وعمن تتحدثين؟!، أعذريني ولكنني لست في حالة تسمح لي بالحديث مع أحد، ألا يكفيني ما أنا فيه؟!”

رفعت العجوز باصرها تجاه الحارس، وهزت برأٍها لزوجته مشيرة إليه.

عجزت الزوجة عن الكلام حيث أنها اقتنعت بأن كل ما حدث لابنها الوحيد بسبب أفعال ابنه المشينة، ولكنها أيضا أرادت انصراف العجوز خوفا وخشية على زوجها من انكشاف أمره.

الزوجة صرخت في وجه العجوز قائلة: “أنا لا أعلم عن أي شيء تتحدثين أيتها العجوز”.

العجوز: “ألم تخبريه أن للميت حرمته؟!”

الزوجة: “أعتقد أن عمركِ قد كبر لدرجة أنكِ تتفوهين بترهات، أظن أنه من الأفضل لكِ أن ترحلي بسلام عنا وتتركينا نواجه ما نوجهه من أحزان”.

العجوز نظرت لطفلتها الصغرى الوحيدة أيضا قائلة: “أليس من الحرام أن تدفن هذه الابتسامة الجميلة بجوار من فارقتماه اليوم أيضا؟!”

وفي هذه اللحظة لم تتمالك الزوجة أعصابها بل انفجرت في وجه العجوز قائلة: “أقسم بالله العلي العظيم إن اقتربتِ على ابنتي فلن أشفي غليلي إلا فيكِ أنتِ…”

وقبل أن تنهي كلامها وجدت العجوز بكل برود أعصاب تغادر، همت بالمغادرة خلفها بضعة خطوات وعلى مد بصرها في جميع الاتجاهات لم تجدها وكأنها تبخرت في الهواء!

يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع . الجزء السابع والثامن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق